Friday, July 23, 2010

مشروع التحرر الإنقاذي اليمني (الجزء الأول)

المقدمة : (1) إستقرائية – تشخيصية لراهنية القائم
(1) إن راهنية الوضع اليمني القائم مأساويا تبدومسدودة فيه كافة الافاق وإمكانيات الإحتمال للخروج به من رهنيته الحاضرة .. حتى ولو بأبسط المحاولات التي يمكن لها أن تفتح بصيص أمل للمستقبل القريب بما يبعدها عن التفجر المخيف الذي أصبح الكثيرون يستشعرون به مؤخرا ، أمل لايحقق تصحيح الوضع بقدر مايفتح خيطا ضئيلا يمكن العمل من خلاله لإنتاج مسارا يجنب المجتمع اليمني من إستمرارية السير في مسار ذات النفق المظلم ، بطبيعية إنسياقية من القدرية المهلكة لإنسان المجتمع – وهو مالم يكن له أن يكون ممكنا الوقوع إلا في ظل الخصوصيات الإستثنائية لمتحكمات الراهنية الوضعية – بما يخص اليمن - ومالم تحدث تغيرات في طبيعة وقناعات في بعض منها - إن لم نقل كلها – شريطة أن تكون هذه المتغيرات في القناعات متناسبة في ترجمتها السلوكية والمسلكية مع ضرورات الفعل التغييري الذي يتطلبه الواقع ليتحقق من خلاله واقع الإنقاذ المطلوب – لاتلك القناعات الصورية المتجلية لفظا دون فكر أو فعل مواز لها في القيمة .
وقد لايكون غياب الفكر أو تغييب دوره سببا لكل افعال التدمير – ذات الطابع الشمولي – لكل مناحي الحياة وابعاد المجتمع اليمني ، ولكنه كما سنكتشفه لاحقا أن غياب أو تغييب الفكر هو مايحقق فعل إستمرار التدمير بما يظهر كما لو أنه مسألة قدرية مكتوب لها ذلك وفق حكمة الهية خارجة عنا البشر ، فمتحكمات الوضع الراهن هي روافع تخلق هذا الإنحراف المساري للمجتمع وحياته ، ولغياب وتغييب الفكر في وجودها وممارستها تتشارك جميعها في جر البلد الى وضعها المأساوي الراهن وإنغلاق كافة المنافذ لتجنب الكارثة القادمة بعجلة متنامية بإطراد ، حتى وإن كانت من تلك المتحكمات لاتعد صاحبة قوة الفعل التدميري المباشر ، فإنها في ظل حقيقة وجودها وممارساتها تلعب دور الشريك – دون قصد – في تحقق تنامي الإستمرارلهذا المسارالقائم واقعا المهدد بقدوم الفاجعة ، والتي تظهر بمعارضتها له وتطرح تخوفات من القادم المظلم . إن هذه المتحكمات تتمثل بالبناء الفوقي للمجتمع والمسيطر عليه السياسي – سلطة ومعارضة – والبناء التحتي الفاقد لخصوصيته التاريخية المستقلة نسبيا عن البناء الفوقي وتطبعه وجودا وممارسة بالإنسياق والتشكل وفق السياسي المسيطرلاوفقا للتأهيلية التاريخية للتركيبة الإجتماعية المسيدة لها وفق طبيعة العمل التاريخي ، ومن هنا فالمتحكمة الإجتماعية ليست أصيلة بذاتها بقدر ماهي منتجة للسياسي السائد المسيطر على الواقع والحياة ، ومن هنا فالمتحكمة الإجتماعية تفرض واقع التشكل والتنميط والعمل والنشاط الإجتماعي بما هو ليس خارجا – بأي معنى حتى نسبي – عما تفرضه المتحكمة الفوقية المسيطر على وجودها وطبيعتها السياسي السائد واقعا ، وهو مانراه واضحا دون زيف أو تجميل – كما نسمعه كثيرا من المعبرات السياسية ( سلطة ومعارضة ) – بغياب المجتمع وإنسانه من لعب أي دور لإنقاذ نفسه وحياته ومكتسباته ، بقدر مانجده مشلول الإرادة الذاتية - المستقلة - في الفعل والتفكير ، ولايعرف موقفا تعبيريا عن نفسه إلا من خلال توجيهه الفوقي – السياسي ، وهو مايظهر من خلاله المجتمع كمستلب طوعي ، لاتحركه حاجاته أو ضرورات حياته بقدر ماتحركه بوصلة الصراع الفوقي بين القوى السياسية المتشبثة بالحكم والطالبة لها – حتى في ظل غياب إرتباط تلك القوى السياسية – عملا – معها ، وفي ظل إبتعادها عنها وعن حاجاتها وإرتهان عملها بالية لعبة التوازن السياسي ، حتى في ظل فقدانها لعنصر الثقة بها تظل مرهونة بها ، وهو مانجده بفشل اية محاولات لأفراد أو مجموعات تحاول العمل على تحرير المجتمع من واقع إستلابيته ، نجد إنسان المجتمع أداة طوعية ذاتية أصبح يعتمد عليها لإفشال تلك المحاولات دون تدخل لقوة السياسي – مالك قوة الفعل القهري للإفشال – فمن جانب يفرض واقع الإلتفاف حول مرتزقة وإنتهازيين يطلقون ذات الدعاوي التحررية ، ومن جانب اخر يصادر حق الأصلاء في ذات الدعوة التي يؤمنون بها ومنتجون حقيقة من خصائصها . وهنا نأتي على المتحكمات السياسية كلاعبة سيادية في تثبيت هذا الواقع التدميري القائم والميؤس منه في وجود أية إمكانية لتدارك الإنجراف بصورة متسارعة الى كارثية الإنفجار غير المحمود – وكما قلنا سابقا أكانت تلك الممارسة فعل التدمير قصدا أو تلك التي لاتمارسه قصدا ولكن تنشأ حقيقة المشاركة في أفعال التدمير من خلال مواقفها العملية والممارسية ومن خلال فكرها التغييري المقاوم الذي لايخرج عن محدودية النزعة السلطوية – الذاتية – كطلب لأخذ سلطة الحكم السياسي ، لاكطلب سياسي للسلطة محمول بالممارسية المسؤلة يوميا بين الناس لحماية الحقوق والممتلكات والمكتسبات .
إن مسألة الإنقاذ ليست بالمسألة الهينة والفكرة الساذجة التي تفهمها وتعممها أحزاب اللقاء المشترك ، وبأن على كل إنسان حر ليس عليه إلا أن يلتف حولها ، ومن لايلتف حولها فليس له إلا الإلتفاف وراء مشروع السلطة الحاكمة – هذا هو المجتمع والتاريخ والفكر في عقل السياسي السائد ، وهو ذات الموقف والمنطق الذي تعمل وفقا له السلطة السياسية الحاكمة . وإذا ماتتبعنا الى وقت قريب جدا لعدد قليل من السنوات الماضية نجد أن أحزاب اللقاء المشترك – الداعية للإنقاذ – كانت تعادي بقوة طروحات التغيير وتطرح – المتقدمة منها – دعوات التصحيح بدلا عنها ، وتعادي دعوات الإنقاذ أنذاك وتعد من يطلقها بكونه ذا نزعات تشاؤمية ودموية ، وبديل عنها كانت تطرح مسألة الإصلاح السياسي – وبظرفية ضيقة انية تداعت رافعة الحمايات الخارجية لسلطة الحكم السياسي-اليمني القائم ، وذلك بفعل متغيرات دولية أصبح النظام السياسي الحاكم غير مؤهل بما يتوافق مع تلك التغيرات الدولية والإقليمية ، فإذا بها تجد فيما كانت تعاديه ورقة رابحة للعب على مسماها – أي الإنقاذ – وهي لم تتهيأ بعد الى أبسط القواعد والأسس والمتطلبات ( الفكرية والعملية الإجرائية ) لإتقان صحة اللعبة التي تذهب إليها ، إنها من الممكن أن تجد في تلخيص مطالبها السياسية السابقة مضافا اليها مطالب بؤر التفجر ضد النظام الحاكم – المقصود بها الحوثيين والحراك الجنوبي – وتغيير مفردتي الإصلاح السياسي والتصحيح بمفردتي الإنقاذ والتغيير – كورقتي ضغط قوية تأتي ثمارها أمام النظام السياسي الحاكم في ظل ركام الأخطاء الممارسة ولايقوى أن يعمل شيئا تجاهها ، والتي أصبحت تزيد من قناعات قوى المركز الخارجي بلا نفعية مساندته – إلا أنها من السذاجة أن تتوهم أنها قد تحولت فعليا لتكون حاملة لمشروع أصيل للإنقاذ والتغيير ، وهي لم تخرج بعد من عباءة فكرها ونهجها القديمين ، وأن تتوهم بأنها قائد فعلي- حقيقي للإنقاذ والتغيير ، وهي لم تقدم أي مشروع لعقد إجتماعي جديد بقدر ماتقدم شذرات متناقضة من الإصطلاحات السياسية للحكم – التي هي مطالب لها ولكنها مصورة بهيئة ضغوط يفرضها الواقع وتطالب بها القوانين والأعراف الدولية – كما وأنها غائبة الإرتباط بالمجتمع وإنسانه وحاجاته اليومية ، ومنزوعة المسؤلية في حماية وجود الدولة والقانون والمجتمع والإنسان والحياة من الممارسات التدميرية-اليومية منذ زمن بعد تغير المنظومة الدولية وتحديدا بعد حرب 1994م. ، ولايذهب موقفها وفعلها الموضوعي أبعد من الخطاب السياسي-الإنفعالي الصوتي بإسم المجتمع ومن دعواتها الفعالية الموسمية لحشد الناس ، أقصى ماتسعى له ليس أبعد من إستخدام أوراق ضاغطة على النظام الحاكم وفضح ممارساته المقابلة التي لاتحتكم لدستور أو قانون ، وهي بنزعاتها هذه تخلق وعيا زائفا بالإنقاذ والتغيير كونها تبقي الواقع على ماهو عليه – إستمراريته في المسار التدمري – بقدر مايهمها إحراز نقاط الفوز في مبارتها مع سلطة النظام الحاكم ، ويغيب لديها سلامة التفكير في أن حجم المتراكمات الواقعية من التدمير الشامل الإتجاهات ، وصعوبة الحياة وتحلل القيم إجتماعيا ، وحضور الخارج قويا على الداخل ، والغياب المطلق للدولة وإحلالها بسلطة حكم اشبه بالسلاطينية ، والتغييب المطلق للدستور – رغم تشوهه – والقانون وإحلال الأعراف المخلقة سلطويا والمعممة بديلا للقانون ، وإحلال الية الخدمة بأخلاق الولاء للحاكم لا للوطن بدلا عن النظام ، وحماية العاملين في الخدمة وفق ذلك الولاء بمسمى النظام لاوفق قوانين تحمي حقوق المواطنة – أن ماذكرناه وغيره الكثير والكثير- وهو ما لاتفقه قوى المعارضة السياسية- يمكن له أن يفجر الأوضاع أسرع من الوقت الذي ستستلذ به أحزاب المشترك بما أحرزته من إنتصارات – لاتذكر – في جولاتها السياسية مع نظام الحكم السياسي ، كما ويمكن لهذه الأوضاع أن تخلق قيادات بديلة لها وهي لم تصحو بعد من إنتصاراتها الذاتية تلك.
أما المتحكمة السياسية السلطوية بتوهمها بالقبض على سلطة الحكم النظامي وإستخدامها برافعة قوة القهر العسكري سيفرض إستمرارية بقائها على كرسي الحكم ، وإستغفال قوى التحكم الخارجي في دعمها على الداخل المعارض تحت تذرعات محاربة الإرهاب ومطاردة القاعدة والقرصنة ، وتحت تذرعات فقر الدولة – الشحتية - الذي لايمكنها من تحقيق الإستقرار ، وهو مايهدد بالتالي الأوضاع في منطقتي الجزيرة والخليج لهو نهج بائس من حيث كونه قادرا على منح الحاكم – حقيقة - قوة الإستمرارية في القبض على سلطة الحكم المطلقة في ظل تفتت أوضاع الحماية السابقة لبقاء النظام الحاكم – أكانت السياسية أو القبلية او النظامية أو الخارجية – خاصة بعد فرض نزعات الطابع الفردي والاسري الضيق على الحكم السياسي ، وإنهيار كافة مقومات إستمرار الحكم تحت طائلة إنهاء الدولة والقانون ، والإفقار التام المنتج عبر معممات الفساد الشامل ونهب الثروات وتدمير قيم العمل والأخلاق الإجتماعية . ومن الإستخفاف أن تتصور سلطة الحكم القائمة أن مخطط تقديم كباش فداء من المتحالفات السياسية أو القبلية أو العسكرية – المراد التخلص من قوة وجودهم الواقعية لإفراد المتحالفة السياسية للحكم على نطاق الأسرة الواحدة – لهو من الوهم التصور أن بقاء الحكم يقوم فقط على مذهب القوة ومتوازنات التحالف في السلطة الحاكمة ، خاصة وان الوضع الحياتي والمعيشي والأخلاقي والقيمي للمجتمع بشكل عام لم يعد محتملا الإستمرار فيه لإنسان المجتمع ، حتى في ظل العبودية الطوعية التي يعبر فيها الإنسان اليمني عن نفسه ، إن الحاكم لايعي أن إستلابية إنسان المجتمع ليست هي تلك الإستلابية التاريخية في أنظمة الحكم العبودي التاريخي القديم ، ولكنها إستلابية منتجة عن فقر هذا المجتمع لوجود الثورات في تاريخه القديم ، ولإنعدام تأصل نزعات التحرر والتغيير لديه – معاصرة – لكون أن المعبرات الفوقية السياسية أستخدمته كتابع عاطفي وإنفعالي لصراعها الأيديولوجي الفوقي من أجل الحصول على سلطة الحكم السياسي . . لاأكثر ، وعند ضرورات تخلق الدور الشعبي لتداري الإنسياق في المسار القائم الذي يقود الى الفاجعة ، وفي ظل إرتهان القوى السياسية للعبة الفوقية المعزلة عن أخطار مسار الواقع ، يجد هذا الشعب نفسه مفتقرا لتراكم وجودي خبراتي للتعبير عن نفسه في إنقاذ نفسه ، طالما كان محصورا على الدوام في خانة التبعية لصراع القوى الفوقية على الحكم ، إلا أن هذا المنتج التطبعي التاريخي من الإستلاب الطوعي لإنسان المجتمع اليمني قد يكون ذا قيمة يراهن عليه الحاكم أو القوى السياسية المناوئة للحكم ولكن في ظروف واقع إجتماعي وحياتي غير مسدودة الأفاق كليا كما هو قائم راهنا ، حيث أن هذا الإنسداد حقيقة لن يولد وعيا إجتماعيا عند إنسان المجتمع – تحرريا – لتغيير الأوضاع ، ولكنه كفيل بخلق نزعات تحرر وعيه البيولوجي – كنزعة للبقاء – في رفض إستمرارية هذا القائم من الحياة والواقع اللذان اصبحا يهددان بقائه ، ومن هنا فحركة الرفض الإجتماعي الشاملة قادمة لامحالة ن ولكنه الرفض الذي يصعب قراءة ماسينتج عنه .
(2) راهنية المشاريع البديلة المطروحة
في ظل ماتقدم في (1) تسعى هذه الورقة التحليلية للعمل بفكر الضرورة الا تنفرد بطروحاتها – لا كما هو معتاد ممارسته في القوى السياسية ، الذي تشكو منه قوى المعارضة بمصادرة النظام الحاكم لرأيها ودورها المشارك في الحكم الإجتماعي ، وهو ذات النهج الذي تمارسه بدورها المصادر لحق الأفراد المفكرين والتكنوقراطيين لرأيهم ودورهم في حل مشكلات الواقع - حيث ستستقرأ كافة المشاريع المطروحة على الساحة اليمنية كمعبرات تصارعية لمنتج إنسداد القائم تحمل في جوفها مؤشرات تغير الأوضاع القادمة ، بما ماتكشف عن مواقفها النزعاتية حول إنتاج عقد اجتماعي جديد لحياة المجتمع ، ولكننا هنا سننفرد من حيث إستقراء هذه المشاريع بصورة حيادية – علمية بعيدة عن كل ذلك الترويج لكل مشروع بكونه رافعة الوطنية وحامل لواء التغيير والعدالة الإجتماعية .
وهذه المشاريع تتضمن :
1- مشروع قوى التحالف السياسي المعارض ( أحزاب اللقاء المشترك ) ، والمعلم
بنهجين ، النهج السياسي العضوي للتحالف المنحصر بورقة الإنقاذ
والممارسة الفوقية المتكئة على رافعة الضغوط على النظام السياسي الحاكم
والنهج الاخر المثثل بورقة الضغط الشعبية الممثلة بتعبير المؤتمر الوطني
لتحالف الحوار .
2- مشروع السلطة الحاكمة كنهج ظاهر معلن ، ومشروع باطني غير معلن يتحرك
في الخفاء بصمت في أكثر من إتجاه .
3- مشروع الحراك الجنوبي .
4- مشروع الحركة الحوثية .
5- المشاريع الضيقة لحراك المناطق جغرافيا .

اليمن : السياسي السائد . . والهجرة الخارجية

غالبا مايجمع اليمنيون بأن الهجرة الخارجية لليمنيين سببها الجانب الاقتصادي ،ولذا ينزع الانسان اليمني الى الهجرة لتحسين دخله المادي الذي يعينه واسرته على تحسين اوضاعهم المعيشية وبما ينقلهم الى مستوى حياتي أفضل ، وقد نجد هناك من يغالي بأن الهجرة الى الخارج هو طبع تاريخي لانسان المجتمع اليمني منذ القدم ، ولكن مالم يتم التنبه له ، بأن اليمن لم تعرف إستقرارا سياسيا منذ أزمان بعيدة ، ولم تعرف اليمن حكما سياسيا في التاريخ لم يكن فيه انسان المجتمع سوى تابعا لاهواء الحاكم ولأهواء المتصارعين على الحكم ، ولم تعرف اليمن في تاريخها – القديم والحديث – الثورات .
من هنا يمكن قول مايغيب على النخبة والعامة المجتمعية ، بأن الجوهر التاريخي لهذه الظاهرة – والذي يسحب نفسه حتى اليوم . . وغدا – هو السياسي ، فالفقر وشضف العيش ونزعة التحسين للدخل المالي عند الافراد ، ليس منتجا بفعل فقر طبيعي معلم بالبلد ، ولكنه فقرا منتجا عن سياسة إفقار يمارسها النظام السياسي الحاكم – عبر التاريخ وحتى اليوم – حيث وأن الجهل السياسي لإدارة الإقتصاد يقود الى هدر الدخل القومي والثروات – الطبيعية وغير الطبيعية التي يمتلكها البلد ، يضاف إلى ذلك ماينتج عن نزعة الإستعلاء السلطوية وسلب الإرادة الحرة لإنسان المجتمع في أن تستغل ثروات المجتمع – عادة – لإثراء الحاكم وكل منتسبي حكمه الممارسين فعل التحكم على المجتمع برافعة هذا النظام ، ويزداد تدريجيا استنفاذ مصادر العيش الكريم للإنسان المحكوم مع تزايد التناسل لهذه الأخيرة ، ويصل الإفقار الإقتصادي لإنسان المجتمع الى ذروته العليا راهنا بفعل سيادة الفساد المنظم وتحول منتفعي الحكم الى عصابة لصوص مطلقة أيديهم بما لايقيدها أي دستور أو قانون أو أخلاق أو حتى تقاليد إجتماعية .
فالهجرة الخارجية للإنسان اليمني يمثل الإقتصاد بعدا واحدا من الأبعاد المنتجة تحت واقع سياسي – متكرر عبر التاريخ اليمني . . وحتى اليوم – كون أن الأبعاد الأخرى المنتجة عبر هذا السياسي ، التاريخي- المتكرر ، التى أظهرت على الدوام إلتصاقية الهجرة الخارجية بالإنسان اليمني – كطبـع – تتجلى بالهروب البشري من واقع غير مستقر يعاني من إستمرارية الحروب ، والهروب من الثارات المنتجة عن تلك الحروب – بكل تعابيرها – والهروب من القمع السياسي للحريات والمعارضين السياسيين ، وأحيانا يكون الهروب من المشكلات المنتجة بشكل غير مباشر كافة العوامل السابقة أو بعض منها ، والتي تظهر للفرد بكونها أكبر من أن يواجهها ، ومثل ذات المنطق قد تكون الهجرة للشعور داخلي بالضياع أو الغربة الداخلية أو فقدان الأمل بنيل أية فرص من الفرص التي يؤمل بها الفرد ، وحتى مايعرف بصدمة الحضارة التي يعاني منها شبابنا اليوم – بفعل تلاشي الحواجز الثقافية بين الشعوب – أساسها داخلي لاخارجي ، حيث يعيش المرء حقيقة معاصرته الراهنة ، ويعيش واقعا محليا يجرده من كل حوامل حقوقه المعاصرة ، فيكون تمرده وإنفعاله مرده الشعور بالغربة داخل وطنه – خاصة وأن السياسي السائد يلوك خطابه بالمعاصرة .
إن أبشع صورة للسياسي الطارد لأبناء مجتمعه ، هو القائم راهنا في تاريخ اليمن والأقاليم العربية الأخرى ، كون ان تطور صور الممارسة السياسية عبر التاريخ الى ماوصلنا إليه حديثا – الستين عاما الأخيرة ، وخاصة منها العشرين سنة الأخيرة – أن السائد السياسي منقسم الى سلطة ومعارضة ، حيث أن هذا المقتسم يجتر تاريخه القديم في فرض إستمرارية التبعية – شبه القدرية – لإنسان المجتمع إليه ، ولذا في ظل الإصطراع على سلطة نظام الحكم ، يصبح جبرا على الشعب أن يخوض حربا فيما بينه بالنيابة عن المتصارعين على سلطة الحكم ، هذا المقتسم العصري للسياسي السائد أتخذ صفته المعاصرة – ظاهريا – بكونه ضميرا معبرا عن المجتمع ، ويمارس خطابه بإسمه ولايحضره أبدا إلا عند صور الصراع المختلفة على الحكم . . ولاأكثر .
وإذا نظرنا لمجموع السجالات السياسية – سلطة ومعارضة – على الصعيد الداخلي اليمني ، وعلى الصعيد الإقليمي-العربي لاتقف إلا على الخطاب السياسي الإنفعالي-الإتهامي والتشكيكي ومن جانب اخر تقف على التبجح الإستعراضي والإتهامي للأطراف الأخرى المناوئة ، أما على الصعيد البرنامجي فنجدها تظهر بصياغات فكرية فضفاضة عامة ومطاطية مليئة بالوعود والامال التي لاوجود لها – بأبسط الأشكال – على صعيد الواقع المعاش ، وهو مايخلق تعميما من الوعي الزائف على صعيد الوعي الإجتماعي ، ويجد تثبيتا له مع مرور كنهج حياة معاشة يوميا عبر تحوله الى طابعه السلوكي والممارسي المتكيء على المغالطة والخداع ، حتى يصبح قيمة أخلاقية منحرفة يقاس عليها درجة التكيف للفرد مع المجتمع والحياة المعاشة ، بل أنه يتجاوز ذلك لقياس العقلانية والفهم ونسبة الذكاء عند الأفراد في التعامل مع الواقع من خلال ظروفه القائمة وعوامله التي يتكيء عليها .
إن ظاهرة تعمم الوعي الزائف لدى المجتمع يكشف مالايمكن المغالطة فيه بأن منتج هذا التعميم متشارك فيه كافة الأطراف السياسية الفوقية – سلطة ومعارضة – كون أن السياسي مبتلع كل الأبعاد الأخرى لمنتج المجتمع ويفرض قسرا تولدها بما يعبر عنها ويتشكل خدمة لوجودها ومصالحها – لاالعكس كما هو في تاريخ الشعوب طبيعية النمو ، التي تتشكل فيها البنى الفوقية وفقا للتطور الطبيعي الحادث للمجتمع وتتغير وفقا للتغيرات الجارية عليه ، ولذا فإن البنى الفوقية والسياسية تحديدا لاتخرج عن كونها معبرات مرهونة بإملاءات المجتمع وواقعه وحاجاته المتغيرة التي يخرج السياسي للتعبير عنها في الإتجاهات الفكرية المختلفة – كرؤى – مهما إختلفت التصورات في المعالجة لتحقيق الحاجات التي يطلبها المجتمع ، إلا أنها لاتختلف في أن تصب جميعها في خدمة المجتمع .
تأكيدا لما سبق طرحه نكتشفه – في هذه المشاركة الفكرية المستعجلة – في بعض من حقائق الواقع المستعرض ، وفي الخطاب السياسي وبرامج القوى السياسية السائدة واقعا ، وأيضا في المسلكية الواقعية الملموسة – بشكل يومي – لهذه القوى مع إنسان المجتمع ، وموقفها النظري والعملي تجاه ظاهرة الهجرة والمهجرين من خلال الاتي :
أولا : على صعيد الواقع المستعرض
( 1 ) الهدر العبثي اليومي للنافذين - وسلاسلهم المحمية برافعة السلطة - لثروات المجتمع ومداخيله ، والتشويه للمعالم الحضرية للمجتمع وقيمه الشاملة وصولا الى الأخلاق حتى على صعيد الفرد والأسرة ، وفرض واقعا شبه قدري من إرتهان كرامة المواطن في عبوديته الطوعية – وعليه إن كان المنقسم السياسي المتعارضان (شكلا) معبران عن المجتمع – حقوقه ، واجباته وحاجاته – وإذا كان السياسي الحاكم يعبر عن مصالح القلة النافذة ويرص المغرر بهم الى جانبه من أفراد تراكيب المجتمع المختلفة للإبقاء على الوضع المعبر عن مصالحه والعمل على حمايته وإستمراره ، فإن المعارضة مادامت تعلن عن نفسها ضميرا للأمة وممثلة للصالح العام ، وبقدر رصها لصفوف أفراد المجتمع المؤمن بخطابها الى جانب الغلبة المتضررة من الاوضاع ، فإن دورها ومن معها يلزم أن يكون فعلهم ملموسا وبشكل يومي ضد ممارسات الطرف المذكور – كون أن هذا الاخير يرتهن وجوده وقوته الفعلية في حمايته للمجتمع واليات وجوده وحياته الممارسة ، دون ذلك تتشكل هذه التكوينات الاخيرة واقعا بما يحقق تعزيز للحاكم ومعبراته التنفذية في مقابل إضعاف وتلاش مستمر لقوى المعارضة وفعلها الواقعي ، وعند هذا الاخير يتحقق للسياسي السائد قوة فعل إنتاج أوضاع التدهور العام وتحلل القيم .
( 2 ) إن الفقر في اليمن كما تطرحه الإحصائيات الدولية (الحالية) يصل الى معدل 78% من عموم المجموع الكلي للسكان ، والنسبة المقدرة لمن هم تحت حد الفقر تقدر بما يزيد عن 45% ، والأمية تزيد عن معدل النسبة 60-65% من مجموع السكان ، من هذه النسبة 50, 63% في الريف والباقي في الحضر ، وإذا كان المسنون يعادلون مايقرب من 5-10% من مجموع السكان ، ومقدر نسبة الثلث من فئة الشباب في سن العمل عاطلون عن العمل ، وقد بينت الدراسات أن ماتبقى في اليمن من فئة الشباب تقدر ب ¼ بينما ¾ فقد هاجر الى البلدان الاخرى تحت طائلة هذا الجانب إضافة الى عوامل اخرى سببت له حالة الطرد المركزي من الوطن الى الخارج .
( 3 ) بسبب الغياب المطلق للفعل السياسي المضاد المعبر عن المجتمع – على نطاق الحياة اليومية – لمواجهة قسرية التدمير والنهب والتشويه لكافة قيم ومكتسبات المجتمع ، الى جانب فقدان المجتمع غالبية قواه المحركة – الفاعلة الحقيقية – بفعل الهجرة الخارجية ، فإن المتبقي منها يغلب عليه المرض والإعاقة النفسية والحركية ، وتهدد النسبة العاطلة عن العمل – والمتزايدة يوميا – غير القادرة على إمتلاك القدرة السامحة لها على الهجرة ، أن تتحول الى الإجرام والمخدرات ومسالك الإرهاب المختلفة ، أما النسبة المتبقية منها لامحالة إلا أن تصبح عالة على المجتمع لسقوطها في الامراض النفسية المستعصية ، التي تشل قدرتها الذهنية والجسدية نما لايجعلها مؤهلة للقيام بأي عمل حتى وإن وفر لها ذلك .
إن ماذكرناه مختزلا في هذا الجانب – وتلف على منواله الجوانب الاخرى غير المذكورة ، يؤكد بما لايدع مجالا للشك بأن المعارضة هي شريكة ( ولو بشكل غير مباشر ) في إنتاج أوضاع التدهور وتحلل القيم وتجلي الظاهرة المتعاظمة للهجرة الخارجية لأبناء اليمن وكافة الظواهر السلبية الطارئة على سطح وحياة المجتمع ، وصولا إلى إنسداد المسار الواقعي لحياة المجتمع وتجلي مظاهر إنزلاق المجتمع اليمني الى هاوية كارثة الإنفجار .
ثانيا : خطاب القوى السياسية وبرامجها ومسلكيتها
في معرض طرح سابق أشرنا بأن البناء الفوقي المسيطر قسرا عليه من قبل السياسي السائد – حيث أن قوة القرار بأيدي ذات النخبة النازعة الى إمتلاك سلطة الحكم أو المدافعة عن بقائها بين أيديها – لا بأيدي المعبرات الإجتماعية على صعيد البناء الفوقي – فإن الخطاب السياسي والبرامج السياسية – لكل من السلطة والمعارضة – تستعير المؤشرات الفكرية المعبرة عن حاجات المجتمع ، وكذلك المؤشرات الفكرية للإنسان والمجتع والواقع كضرورات لحل المشكلات ومعالجة الازمات القائمة ، بحيث يظهر كل طرف من الأطراف هذه المستعارات بصيغ متعددة بين الوعود الكاذبة وتذرعات تزييف الحقائق ، وبين إستغلالها كأدوات معرفية ولغوية لإدارة الحرب الباردة أو تأجيجها الى حرب دموية بين الأطراف المتنازعة على سلطة الحكم ، وطبعا هذا التوظيف لهذا الجانب يذهب أبعد من حد التراشق بالألفاظ والإتهام والتشكيك ، إنه يذهب بتوظيفات تعبوية تحشد ابناء المجتمع في منقسمين يصبحان جاهزان لإدارة حرب بالنيابة في حال لم تتبقى هناك فرصة لتخفف شدة المواجهة بين المتصارعين على الحكم .
إن الخطاب السياسي السائد – للمعارضة والسلطة – وبرامجهما يفتقران الى المصداقية – وإن كانت مسألة غياب المصداقية تختلف بين السلطة والمعارضة ،حيث أن غياب المصداقية عند السلطة تتمثل بعدم وجود أية أهمية لأي جانب من جوانب المجتمع والإنسان والحقوق ، فهي سلطة قابضة ، مستعلية ، متجبرة ، متصرفة بحوامل الوجود الإجتماعي وثرواته بما هو معبر بمصالحها ونمو قبضتها ، ولذا خطابها السياسي وبرامجها لاتعدو أن تكون إستعارات لغوية وفكرية سطحية مستعارة لغرض الخداع والتجمل والإستعراض وذر الرماد على العيون ، والتوحش الإنفعالي تجاه المعارضين – بكل تعبيراته – أما غياب المصداقية لدى المعارضة مسببا بإرثها التقليدي-المجتر في صراعها مع نظام الحكم الفردي ، وهو إرث لم تقوى على التخلص منه ، حيث يظل تمثيلها للمجتمع بإنحصارها في الصراع الفوقي من أجل الحصول على سلطة الحكم ، وإنحصارها في ذلك الصراع في خانة التكتيك السياسي الذي لايولي أية أهمية لضرورات متطلبات الواقع ، وتظل منعزلة عن الشعب في صراعها الفوقي ذلك ولاتتصل به سوى في خطابها السياسي ومهرجاناتها المناسباتية الإستعراضية التكتيك تجاه النظام الحاكم – وعودة لفقدان المصداقية يمكن تحديد بعضا من مؤشراتها من حيث الغياب في ثنايا خطابهما وبرامجهما أهم الروافع لأي مشروع سياسي يستهدف المجتمع ، حيث لاتحضر فيها القوة الإجتماعية المحركة الممثلة بالشباب – التي تعد القوة المحركة التاريخية لأي شعب في التاريخ ، والتي هي ذاتها تعد القوة المفترضة الإتكاء عليها لاية قوة سياسية تعد نفسها قائدة للمجتمع- ولايحضر فيها الا تهويمات فضفاضة ومطاطية مستهدفة الوعي العاطفي لدى هذه الفئة الإجتماعية الكبرى وبقية أبناء المجتمع ، كما ويغيب عنها ركيزة البحث العلمي كأعلى رافعة للعيش والتحول العصري للمجتمع ، والأداة الأساسية لحل الأزمات وإعادة بناء الدولة والمجتمع على أسس تغييرية ، كما ويغيب في خطاباتها وبرامجها ظاهرة الهجرة الخارجية والفساد والبطالة والامية والفقر والجريمة والتهريب وفقدان صور الحماية للدخل القومي وعدالة التوزيع للثروات والسلطة ورؤى تساوي الفرص لكافة أفراد المجتمع والمعالجات الدستورية والقانونية الممهدة لنشوء عقدا إجتماعيا جديدا يتناسب والأهداف التي تضعها ، كون أن غياب مثل هذه القضايا والمشكلات الى جانب كثرة اخر لم نأتي على ذكرها في برنامج المعارضة – والتي تعد من المشاكل الرئيسية التي مصاب بها الواقع اليمني - يتحتم معها غياب قسري في الموقف تجاه معالجة مثل هذه المشكلة الكبرى ، التي تعد كارثة من الكوارث حيث يفقد فيه المجتمع قواه الشابة المحركة ويفقد خلالها العقول القادرة على تطوير المجتمع وإعادة بنائه . . بشكل متكرر .
إن فقدان جانب الشباب ومسألة البحث العلمي وعدم الوضوح الى الرؤية في فهم التأسيس المدني للمجتمع كتأسيس للبنائية المؤسسية للدولة ، هذا إضافة إلى غياب الإهتمام والتصورات لبنائية وعمل النقابات وأنوية مؤسسات المجتمع العلمي وتركها منفلشة مغيبة بفعل سيطرة قبضة النظام السياسي الحاكم عليها ولاتألوا جهدا لتحريرها ، وأعظم مأزق تقع فيه – في ظل مسودة مشروع اللقاء المشترك للإنقاذ – أنها لاتجرأ أن تطرح مشروعا لموقف رؤيوي واضح للإنقاذ وإعادة البناء – من باب المسؤلية التاريخية كقوى سياسية - بقدر ماتطرح تصورات متعددة تنتظر الاخرين أن يحملون هنا وزر الإختيار للرأي والموقف ، اما المازق الثاني يتمثل بكونها ترهن مبادئها التغييرية – في طبيعة صياغاتها الفكرية وفي نزعاتها الواقعية وفي ظل ممارساتها – لمورث الياتها السياسية- القديمة المتمثلة بإستخدام الموقف كرافعة ضغط على النظام السياسي للحصول على تسوية تعيد التوازن السياسي بما هو أفضل مما كان عليه من قبل – وبالطبع هذا من محض تصوراتها للأمور – بينما راهنية الوضع لايحتمل لمثل هذا التكتيك ، كما وأن مثل هذا النهج السياسي يتعارض كليا مع مبدأي الإنقاذ والتغيير ، كونه نهجا إصلاحيا لاأكثر .
ويتجلى الموقف المسلكي لكل من المعارضة والسلطة في إستغلال الشباب كإستغلال للوعي العاطفي لاأكثر – ولانريد هنا التطويل في التحليل لتبيان ذلك – وذلك من خلال الخطاب العاطفي المشحون تارة بالإسترحام واخرى بالإنفعالية الصارخة ، الموظفة بلغة فكرية تحيل المترائيات إلى حقائق بصورة مخادعة ، وبالطبع فإن السلطة النافذة أشد سيطرة إستغلالية إنتهازية في هذا المضمار ، كما وتفتقر المعارضة لأي برنامج أو تصور أو قوة فعل للتأثير على المهاجرين والجاليتات اليمنية في المهجر مقارنة بما تمتلكه السلطة السياسية الحاكمة .
تلخيصا لكل ماتقدم يمكن القول أن المعارضة تحتاج إلى إمتلاك برنامج مغاير علمي – لاتكتيكي نازع إلى تحقيق التسويات السياسية مع نظام الحكم - وذلك لإدارة الصراع وفق متطلبات الضرورة التاريخية مع النظام الحاكم على أساس إجتماعي يعادل نهج القوة العسكرية والسلطة التي يقبض عليها في يده ، ونخلص إلى أن الهجرة مثلها مثل الكثير من القضايا والأمور التي نجدها كأوراق ضائعة في لعبة السياسي السائد في إتجاهاته الفكرية المختلفة ككيانات منفردة أو متحالفة .

Tuesday, July 20, 2010

الأنظمة الحاكمة و"مأزق الملك" في العالم العربي

على الرغم من إصدار إصلاحات اقتصادية واجتماعية مهمة، تستمر الأنظمة العربية في تجنب الإصلاحات السياسية الجوهرية التي قد تهدد هيمنتها. يدرك الإصلاحيون في المؤسسات الحاكمة الحاجة للتغيير لتأمين المنافسة الاقتصادية، لكن تفضيلهم لعملية "الإصلاح المُدار"، تقود إلى المزيد من الركود السياسي، كما تبينه ورقة جديدة أعدتها مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.

في ورقة كارنيغي بعنوان: الأنظمة الحاكمة و"مأزق الملك" في العالم العربي: وعود و مخاطر الإصلاح الهرمي، تناقش الباحثتان في مؤسسة كارنيغي مارينا أوتاوي وميشيل دن، مأزق القيادات الناشئة من ذوي الأفكار الإصلاحية في الدول العربية، فالعولمة وتحسين إمكانية حصول عامة الناس على المعلومات يحفزان المطالبة بالتحديث، لكن التاريخ يظهر ان الإصلاحات التي يتم إدخالها من أعلى الهرم، حتى ولو كانت محدودة، تزيد بدلا من أن تُنقص مطالبة قاعدة الهرم بتنفيذ تغييرات جذرية، كما كانت الحال بالنسبة للثورة الإيرانية. ولمواجهة هذا التهديد، تحاول الأنظمة الحاكمة العربية السيطرة على عملية التغيير عبر إجراء "إصلاحات مُدارة": اعتماد الإصلاح الرسمي المؤسساتي دون نقل السلطة الحقيقية (البحرين ومصر)، أو إجراء تحسينات جوهرية في حقوق المدنيين من دون إصلاح مؤسساتي (المغرب)، أو تحقيق مشاركة محدودة للمعارضة الشرعية (اليمن والجزائر).

الاستنتاجات الرئيسية:

  • يتنامى الوعي في العالم العربي بضرورة الإصلاحات من أجل اقتصاد تنافسي قابل للحياة. فلم يعد يُنظر إلى النفط كمصدر دائم للإيرادات يوفر للحكومات قدرة لا متناهية للتلاعب بمواطنيها.
  • لم يكن الضغط من جانب الولايات المتحدة والدول الأوروبية لإدخال الإصلاحات مترابطا، كما أنه كان حتى الآن، يؤيد الإصلاحات المدارة من الأعلى، مما أرسل إشارات إلى ضعف التوقعات الخارجية، والى سهولة استرضاء اللاعبين الخارجيين.
  • الاستمرار في الركود السياسي هو السيناريو الأكثر احتمالاً لمعظم الأنظمة الحاكمة العربية، قد يتصف بتغييرات محدودة لكنه لا يغامر بالانزلاق نحو مستقبل غير أكيد. في حين تبقى سلطة الإصلاحيين محدودة في معظم البلدان لفشلهم عامة عكس صورة مقنعة حول جدّيتهم فيما يتعلق بالتغيير.
  • يحتاج اصلاحيو النظام الحاكم إلى إيجاد الحلفاء في المجتمعات المدنية أو في الأحزاب السياسية المعتدلة من أجل تحقيق النجاح. فمن الممكن لبعض الإصلاحيين ان يقرروا بأن مستقبلهم السياسي قد يستفيد من بيئة سياسة تنافسية، لكن عملية الإصلاح الأكثر تشاركية لا يمكن التنبؤ بها.

"تشير الدلائل حتى الآن إلى أن عملية الإصلاح من أعلى الهرم إلى أسفله لم تولد سوى القليل من الأثر، أي أنها تخلق، في أفضل الحالات، تغييراً هامشياً في قضايا محددة، ولا تقود إلى إعادة توزيع السلطة التي تستتبعها أي عملية حقيقية لنشر الديمقراطية، ولا تقود حتى إلى التحرر. أمّا بالنسبة للمناصرين المحليين للإصلاح المُدار من أعلى الهرم كما بالنسبة للاعبين الخارجيين الساعين إلى تعزيز التغيير، فيبدو أن الدرس الناتج هو أنه من غير الممكن مطلقاً أن يكون الإصلاح السياسي خالياً من المخاطر: فالإدارة الوثيقة جداً للإصلاح تؤدي إلى استدامة السلطوية، في حين تولد عمليات الإصلاح غير المُدارة نتائجاً لا يمكن التنبؤ بها."

"الجُمْهوريانيّة السُلالية" في مصر وليبيا واليمن

معمّر القذافيبات الحُكّام الأوتوقراطيون العرب ماهرين للغاية في العلاقات العامة. فهم يجيدون استخدام لغة الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والأسواق الحرة، فيما يُثابرون على الحفاظ على الادوات القديمة والاعتباطية في عملية اتخاذ القرار. وخلال السنوات العشر الماضية، سقطت الأنظمة العربية في مايمكن تسميته "الجُمْهوريانيّة السُلالية"، وهو شكل من أشكال الحكومات يُترجم نفسه تقريباً بتعبير الإرْداف الخُلْفي: "الرئاسة الملكية".

لكن، ومهما كان شكل المظاهر الخارجية التي تعرضها الحكومات الجمهورية داخل الأنظمة العربية، إلا انها لاتتقدم في الواقع بأي ضمانات تاريخية أو قانونية. فالهيمنة العائلية على الحكومات العربية تختصر الدول إلى مجرد أدوات لتعزيز المصالح الخاصة والشخصية، بدلأ من تحقيق المصلحة العامة. هذا علاوة على أن الدول العربية التي توجد فيها مؤسسات سياسية محدودة، غالباً ما تكتنفها القَبَلِية. وهذه الأخيرة تُسفِر بدورها عن مؤسسات سياسية لاديمقراطية ومُشوّهة.

في مصر، المسرح بات مُعدّاً لاستقبال جمال مبارك كي يكون مرشح الخلافة الوحيد للحزب الوطني الديمقراطي. والواقع ان احتمال أن يخلف جمال أبيه مرتفع، إذا ماحدثت الخلافة فيما هذا الأخير على قيد الحياة. لكن، من دون حسني مبارك، سيكون جمال وحيداً، في وقت لاتخلو الساحة من مرشحين مفاجئين يمكنهم نظرياً وحرفياً أن يبلوا بلاءً حسناً في السباق نحو الرئاسة.

وفي ليبيا، حدّد معمر القذافي كلاً من الوريثين العسكري والسياسي، وبالتالي ليس ثمة مفاجآت غير مُُتوقّعة هنا في عملية الخلافة الوراثية. لكن مايمكن أن يكون غير متوقّع، هو أن تضع قبيلة القذافي ثِقَلها وراء هذا الوريث السياسي أو ذاك الوريث العسكري.

في اليمن، تستند الخلافة السياسية إلى ميثاق ضمني بين قبيلة الرئيس علي عبد الله صالح (حاشد) وبين الجيش. لذا، وحده العضو في القبيلة مُؤهّل لتسنّم رئاسة البلاد. ويبدو الآن أن صالح يُعِد نجله أحمد لاستلام زمام السلطة، من خلال تسهيل صعوده الكاسح في الصفوف العسكرية وتحميله مسؤولة قيادة اكثر القوات فتكاً في البلاد.

مصرفي(جمال)، مهندس مدني/معماري(سيف) وقائدان عسكريان (أحمد صالح ومعتصم القذافي): كل هؤلاء يُشكَّلون الآن اختباراً لكلٍ من الجُمْهوريانيّة العربية ولترقية الغرب للديمقراطية. وخلافتهم قد تقرع ناقوس الموت لادّعاءات المباديء الجمهورية، أو ما تبقى منها.

هل تصبح القاعدة أفريقيةً في منطقة الساحل؟

تثير الحدود التي تخضع إلى دوريات استكشاف خفيفة، والمناطق ذات الكثافة السكانية القليلة، والنشاط الإرهابي الذي اندلع في الآونة الأخيرة، المخاوف من أن منطقة الساحل أصبحت أرضاً خصبةً للحركات الجهادية، وخاصةً تنظيم "القاعدة في المغرب الإسلامي". والتعاون الإقليمي والمساعدات الحذرة من الغرب هما بالغا الأهمية بالنسبة إلى بلدان المنطقة لاستعادة السيطرة على أراضيها، ومنع القاعدة من الانتشار في أفريقيا.

الاستنتاجات الرئيسة
  • تُشكِّل القاعدة في المغرب الإسلامي تهديداً أمنياً، أكثر منها تهديداً سياسياً مباشراً على الحكومات. فالشبكات الإرهابية المرتبطة بتنظيم القاعدة تنشط في موريتانيا ومالي والنيجر، ولكن جذورها ضحلة ولاتتمتّع بتأييد شعبي كبير. كما أن المنافسة الداخلية والشراكة مع المجرمين تضعفان القاعدة في المغرب الإسلامي، مايحدّ من جاذبيتها الأوسع.
  • لايبدو أن لدى قيادة القاعدة المركزية أي خطط كبرى خاصة بأفريقيا، لكن القادة مهتمّون بإدماج مُجنَّدين جُدُد من منطقة الساحل.
  • الانقسام العرقي والعنصري داخل القاعدة يمنع المجندين الأفارقة من الحصول على مناصب قيادية. ولذا تبقى الفروع الثلاثة للتنظيم الإرهابي - في شبه الجزيرة العربية والعراق وبلاد المغرب الإسلامي - عربيةً في الأساس، حيث تناضل القاعدة في المغرب الإسلامي من أجل إثبات التزامها "أفرقة" الجهاد من دون أفرقة بعض قياداتها.
توصيات لصانعي السياسات
  • تجهيز قوات الأمن. قوات مكافحة الإرهاب في بلدان الساحل غير مُهيّأة لمطاردة القاعدة في المغرب الإسلامي ومحاربتها عبر مناطق واسعة، وهي تحتاج إلى مساعدة دولية للسيطرة على المناطق التي تشكّل الآن مخاطر أمنية على الأجانب.
  • التعاون الإقليمي. التعاون الأمني بين الدول المجاورة أمر أساسي لتعطيل قدرة القاعدة في المغرب الإسلامي على التحرّك.
  • تجّنب التدخّل المباشر من الغرب. إن أي إظهار للتورّط الأميركي أو الأوروبي سيصبّ في صالح القاعدة في المغرب الإسلامي .

يقول فيليو: "موريتانيا ومالي والنيجر هي من بين البلدان الأفقر في العالم، وستحتاج إلى دعم دولي لتقليص زخم القاعدة في المغرب الإسلامي". ويضيف: "والجزائر محقّة في الضغط نحو قيام تعاون إقليمي لمواجهة التهديد، والمساعدات الغربية المتكتّمة ضرورية لمساعدة دول منطقة الساحل على استعادة سيطرتها على أراضيها من عناصر القاعدة، ومنع الجماعة الإرهابية من بسط سلطتها في أفريقيا".