Tuesday, July 20, 2010

عرّفني بنفسك

عرّفني بنفسك! طلبٌ حينما يُوجّه إليك فإنك تستقبله بتعجّبٍ، خصوصاً حين يصدر من شخصٍ علاقتك معه وطيدة. ورغم بساطة هذا الطلب إلا أنه ليس سهلاً، كما يعتقد البعض؛ وقدرتك عليه تعني بالضرورة أنك قد قطعت مشواراً طويلاً في الوعي بذاتك، وبوجودك الإنساني.

والآن، هلاّ عرّفتني بنفسك؟

قد تقول: أنا فلان بن فلان من العائلة الفلانية. وإذا كانت هذه إجابتك بالفعل، فاسمح لي أن أقول لك إنك لم تعرف نفسك بعد.

مرّةً قلت لأحدهم: عرّفني بنفسك؟ فاستغرب من سؤالي، لأني أعرفه جيّداً، وبعد لحظة تأمُّلٍ أجابني: أنا إنسان. قلت له: أعلم ذلك، وأنا أريد منك أن تُعرّفني بنفسك، عندها بدى صامتاً متحيّراً.

قلت له: رغم مشوارك الطويل في العلم والمعرفة، إلا أنك ما زلت عاجزاً عن التعريف بنفسك.

وحين نتأمّل في الطريقة التي يُعرّف بها الناس ذواتهم في سيراتهم الذاتية، أو قاعات المؤتمرات، أو الندوات أو البرامج التدريبية، تجد الطابع العام هو أن يكتفي البعض بذكر اسمه كاملاً، وقد يُضيف آخرون هواياتهم ووظائفهم التي يُواظبون عليها، إلا أنها بكل تأكيد لا تكشف إلا عن جزءٍ بسيط من الإجابة على هذا السؤال العجيب.

والآن، عرّفني بنفسك!

فإن ما زلت مصرّاً على مقولتك السابقة، فتأمّل معي قليلاً فيها، فهل أنت حقّاً مجرّد إنسانٍ ينتسب لآخر، ويمارس نشاطاً وظيفياً روتينياً، وبعض الهوايات؟

وفي هذا السياق يأتي البيت الشعري محفّزاً لك للإبحار في أعماق ذاتك، والتفكير بعمق في حقيقة وعظمة وجودك في الحياة، إذ يقول الشاعر:

وتحسب أنّك جرمٌ صغير       وفيك انطوى العالم الأكبر

فتأمّل جيّداً، وفكّر مليّاً، ثمّ عرّفني بنفسك.

والآن قد تقول لي: أنا العالم، المفكّر، الذكي، المتفوّق، الغني، ....

وهنا أراك قد كشفت عن جوانب أخرى في شخصيتك، أليس كذلك؟

واسمح لي هنا أن أسألك: هل تعتقد أن تعريفك هذا يستوفي ما أريد، أم أنها تعكس قدراتك فقط؟

فلتتأمل في دواخلك بعمق أكبر، ثمّ عرّفني بنفسك.

وهنا قد يتّجه تفكيرك إلى جانب آخر مهم للتعبير عن شخصيّتك، فتقول: أنا ابن المجتمع الفلاني، لتعكس لي انتماءك الديني، والمذهبي، وتؤكّد على مجمل العادات والتقاليد التي تؤمن بها، وقد تُضيف أيضاً القيادة التي تنمي إليها.

وهذا التعريف بكل تأكيد تكشف أكثر عن شخصيتك، إلا أنني لست ممن يُميّز بين الناس على أساس الإنتماءات الدينية والمذهبية والاجتماعية، فطالما أنك إنسانٌ فأنت مشمولٌ بالتكريم الإلهي، ومن حقّك أن تكون حراً كما أراد الله تعالى لك، كما أنه من حقّك أن تكون لك شخصيّتك المستقلّة بعيداً عن كل هذه المسمّيات.

والآن: هل يُمكنك أن تُعرّفني بنفسك بشكل أدق؟

عذراً، أرى قد علاك الإرهاق والتعب، وقد يصعب عليك التعمّق أكثر في شخصيّتك، أو قد تتوه لتصل لما أريد، وهذا بكل تأكيد يؤكد خطورة هذا الطلب، وأن تنفيذه ليس بالسهولة التي كنت تظنّها في بادئ الأمر.

والآن، ما رأيك أن نأخذ استراحة تعلّم نتتلمذ فيها في مدرسة القرآن الحكيم، مع قصّة السيّدة مريم حين وضعت نبيَّ الله عيسى وجاءت به قومها تحمله، فتساءلوا: من هذا؟

وهنا أشارت إليه، فاستغربوا منها، متهيئين أنها تستهزء بهم، ففوجئوا جميعاً حين نطق صوت الإعجاز الإلهي، ليُعرّف لهم نبيُّ الله عن نفسه، فماذا قال؟

تأمّل معي عزيزي إجابة نبي الله عيسى ، ولتكن نموذجاً يُحتذى حين الإجابة على ذات السؤال، يقول تعالى: ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴾ "سورة مريم، آية: 30 – 32".

وختاماً، ماذا نستلهم من هذه الإجابة الرائدة التي نطق بها نبي الله عيسى وهو بعد في المهد صبيّاً؟ إننا حين نتأمّل الآيات الكريمة نجد أن النبي لم يُعرّف باسمه مباشرةً وإنما بدأ بأكبر نعمةً على الإنسان وهي كونه عبدٌ لله تعالى، ثمّ مباشرةً يذكر النبي الدور الرسالي الذي أراده الله تعالى له في الحياة، ثم ذكر جانباً من قدراته التي منحه الله تعالى إيّاها، وعرّج على انتمائه الديني، وأخيراً ذكر انتماءه النسبي كآخر شيء من مجمل هذه الإجابة الرائعة، التي ينبغي أن تتّخذها أسلوباً أساسيّاً حين تُعرّف بنفسك لتكشف بذلك عن مستوى وعيك العميق بذاتك.

والآن: يُمكنك أن تُعرّفني بنفسك تعريفاً يليق بمستوى وعيك ووجودك الإنساني، أليس كذلك؟

0 comments :