الكرت الأخضر
9, 3, 2004
الكرت الأخضر
عامر مناصرة _ فلسطين
نحن كفلسطينيين سجناء في سجن كبير تحفه المخاطر في الليل والنهار، يخرج احدنا إلى العمل وتبقى أمه تدعو له حتى يعود إلى بيته من عمله سالماً وذلك لشدة انعدام الأمن والأمان الذي يفرضه علينا الاحتلال الغاشم بنا في كل مناحي الحياة، وبعضنا يتيسر له بعض المال الذي يزيد عن حاجته فيأخذ هذا المبلغ البسيط من المال ليقوم برحلة صغيرة في إحدى الدول العربية القريبة من فلسطين مثل الأردن أو مصر أو سوريا أو بعض دول الخليج، ويكون في العادة له بعض الأقارب في هذه الدول وذلك بسبب تشتت هذا الشعب في الدول كافة.
وحدث أن حصل لي هذا الشيء بحيث زادة عن حاجتي مبلغ بسيط لا يزيد عن الثلاثماية وخمسون دولار وهي توفير خمسة اشهر متتالية، وكنت قد قررت أن أسافر في رحلة قصيرة إلى إحدى الدول العربية المجاورة كسياحة للترفيه عن نفسي قليلا وذلك بعد مرور قرابة الثلاث سنوات تحت الحصار الخانق في فلسطين، واعتقد انه من حقنا كفلسطينيين أن نرفه عن أنفسنا ولو قليلا وخاصة بعد ما ذقناه ونذوقه بشكل يومي في ظل الاحتلال.
قررت أن ازور الأردن وذلك لأنها الأقرب علينا والأسهل كما يقول الذين يسافرون، مع العلم أنني لم أسافر ولم أغادر بلدي فلسطين طوال حياتي، فقررت أن أرى ما لم أره في حياتي وشجعني على ذلك وجود ثروة في جيبي وهي الثلاثماية وخمسون دولار، فحزمت أمتعتي وأبلغت ألقاصي والداني أنني مسافر لمدة أسبوع إلى الأردن الحبيب، وبدا الناس يوصونني بإحضار بعض الأشياء لهم من ذلك البلد المجهول بالنسبة لي، فواحد يوصيني على احضر له تلفون نقال من نوع كذا وواحد يوصيني أن احضر له كيلو من معسل الأرجيلة من نوع كذا وآخر يوصيني أن احضر له بعض المال من آخيه الموجود في الأردن بعد أن ضاقت الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية ، وهكذا حتى أثقلوني بأحمالهم قبل أن يبدأ السفر.
يا سادة لا أريد أن أطيل عليكم فقد وصلت إلى منطقة الجسور في مدينة أريحا بعد معاناة صعبة جدا وكنت على وشك اتخاذ قرار بالعودة حتى قبل أن اصل إلى الجسور ( المعابر )، ولكن الحمد لله أخيرا وصلنا إلى الجسر ( المعبر ) الإسرائيلي وكان قلبي يدق ويخفق وأحيانا ينطق من خوفي، لماذا ؟ لا اعرف ولكن أظن انه من خوفي أن يقوم الإسرائيليين بمنعي من الخروج من فلسطين كما يفعلونه ببعض الشباب دون سبب واضح ! .
مكثنا في الجسر ( المعبر ) الإسرائيلي حوالي النصف ساعة وانهينا معاملاتنا وتوجهنا إلى الباصات التي سوف تنقلنا إلى المعبر الأردني وكنت سأطير من الفرح عندما انتهت معاملاتي في الجانب الإسرائيلي وذلك لمعرفتي الأكيدة أن اليهود هم أكثر الناس شرا في العالم وبما أنني أنهيت هذا الشر فلن أواجه أي شر بعده ، وكان محسوبكم يمشي مع الناس لأنني لا اعرف كيف أتصرف لوحدي في السفر .
ومن باص لباص حتى وصلنا إلى ما يسمى المعبر الأردني وذلك بعد مرور أكثر من ساعتين ونصف ونحن بين المعبرين والذي في العادة لا ياخد سوى ربع ساعة على أكثر تعديل كما قيل لي لاحقاً.
دخلنا إلى المعبر الأردني وأنا اشعر أنني ساجد من يستقبلني أو على الأقل ساجد من يبتسم في وجهي وخاصة أنني قادم من تحت الدبابات التي تستطيع أن تفعص أي شيء سوى الإرادة.
وقفنا في دور طويل ينتظر كل منا وصوله إلى شباك صغير يجلس خلفه شيء لن تستطيع تشخيص أي شيء منه إلا خمس أو عشرة شعرات في أعلى رأسه، أما تقدمنا في الدور الطويل فكان بطيئا جدا واخذ مني أنا حتى وصلي إلى ذلك الشيء المختبئ وراء زجاج ذلك الشباك اخذ مني حوالي الساعة ونصف الساعة ، ولكني لا اخفي عليكم أنني كنت ما زلت مبتهج بأنني أنهيت المعبر الإسرائيلي على خير .
وصلت إلى ذلك الشباك وكان عندي فضول واضح أن أرى ما وراء هذا الشباك ولا أخفي عليكم فقد كنت أتوقع أن أرى شيئاً يبتسم، وإذا بي أرى شيئاً ولكن لا يبتسم بل عابس إلى درجة أنني تخيلت نفسي للوهلة الأولى بأنني أمام رجل قد قتل ابنه للتو واني أنا من قتله والآن سيأخذ بثأره بنفسه مني.
فقلت في نفسي وأنا مالي المهم إني اخلص واطلع من المعبر وأروح عند دار اخوي في عمان .
قدمت لهذا الشيء جواز سفري الفلسطيني وما زلت احتفظ بما تبقى معي من ابتسامة،
فقال لي: لماذا تضحك ؟
فقلت له: أنا لا اضحك يا سيدي ، ولكن هذه طبيعتي .
فقال: وبتتخوث كمان ؟!؟
فقلت: لا يا سيدي عفوك.
فقال: طيب أعطيني الكرت الأخضر .
قلت: أي كرت يا سيدي ؟
قال: يا سلام، ومضيع الكرت الأخضر ؟
فانتبهت لنفسي وقلت في داخلي لا بد وانه يريد الهوية الفلسطينية فهي خضرا وأكيد أنهم لا يعرفون أن اسمها هوية
فقلت له: آه أنا آسف، وأخرجت من جيبي الهوية الخضراء وأعطيته إياها.
فانتفض الرجل من مكانه ووقف على رجليه وقرب وجهه من الفتحة الصغيرة من ذلك الشباك وقال لي: وبتتخوث علينا ولا.
فقلت: ليش ؟
قال: استنا شوي.
وإذا به يخرج من خلف الحواجز الخشبية ويأتي ناحيتي والناس تنظر إليه، وسمعت شاب من خلفي يقول بصوت خافت:( أكل خرا )، ( وكان يقصد عني )، وجاء هذا الشيء وسحبني كما يسحبون شوال التبن بعد الحصيدة ، وأدخلني إلى ما وراء الحواجز الخشبية والزجاجية ، وقرع باب إحدى الغرف وادخلي إلى شيء آخر يجلس على مكتب صغير، وكان هذا الشيء الجالس وراء ذلك المكتب يدخن وقال له : يا سيدي هذا الشخص قد أضاع كرته الأخضر ، فرد عليه الشيء الجالس وقال : ماشي.
ذهب ذلك الشيء وبقيت أنا والشيء الآخر في الغرفة لوحدنا ، فقال لي : اجلس .
فقلت له: شكرا، وجلست أمامه .
فطقطق على بعض أزرار الكمبيوتر الموجود أمامه وقال لي باستغراب: شو هاظا إلي أنا شايفه أمامي ؟
فقلت: خير شو فيه ؟
قال: ولك هاظا أنت مخرب !
قلت له وكان استغرابي اشد من استغرابه وذلك لأنه استغرابه مصطنع واستغرابي حقيقي قلت : أنا مخرب ؟؟
قال: نعم أنت مخرب ، ومبين عندي على الكمبيوتر انك خطير !
قلت : لا يا سيدي أكيد انتو غلطانين في الاسم !
قال : نعم نعم يا حبيبي أنت بدك أتعلمنا شغلنا ، وضرب يده على المكتب بعنف .
لا اخفي عليكم إنني بدأت اشعر بالخوف وبدأت اشعر بأنني لن أعود إلى بلدي وسينتهي أمري هنا .
فقلت له : يا سيدي أنا أول مرة بزرو الأردن الحبيب وأنا بشتغل مع والدي في محل الخضار المملوك أصلا لعمي وأنا لا مخرب ولا بسوي أي شيء غلط .
فقال : اسمع ولا ، بدك تخلق الكرت الأخضر من تحت الأرض .
فقلت له : والله العظيم إني مش عارف شو هو الكرت الأخضر .
فبدأ ذلك الشيء يثور ويشتم بشتائم غليظة والله العظيم لم نسمعها من الجنود الإسرائيليين على الحواجز المنتشرة في أنحاء الضفة الغربية.
وبعد أن مضى حوالي الساعة وأنا في ذلك المكتب الحقير وأنا أحاول أن اشرح لذلك الشيء أنني لا اعرف ما هو الكرت الأخضر وبعد أن شحب وجهي وشلت قدماي واختفت ابتسامتي ( حرصا من ابتسامتي على نفسي ) قال لي ذلك الشيء بعد أن شتمني في عرضي وعرض أهلي ( وقال لي بالحرف الواحد أنت متجوز ؟ قلت : لا .
قال: من حسن حظك لأنه لو انك متجوز كنت بدي أعملك في مرتك كذا وكذا.
فحبستها في نفسي و لم أرد على ذلك الشيء بمثل براعته في البذاءة وذلك لخوفي من عاقبة ردة فعلي.
وبعد مرور عشرة دقائق تقريبا شابها السكوت التام مني ومن ذلك الشيء قال : ماشي سأعطيك كرت اخضر بس والله إذا بضيع منك هذه المرة لأنيكك !
فقلت له: شكرا.
فأخذت الكرت الأخضر وخرجت مرة أخرى إلى الدور الطويل وكان المسافرون قد تغيروا طبعا ولكن ذلك الشيء الموجود وراء الزجاج ما زال كما هو ، وبعد حوالي النصف ساعة جاء دوري لأقدم لذلك الشيء جواز سفري وكرتي الأخضر الجميل الذي حصلت عليه بعد معاناة لم أعانيها طوال حياتي .
قدمت له الجواز والكرت الأخضر ولكن هذه المرة لم أكن مبتسما ولا عابسا بل كنت كالمخبوط على رأسه .
فقال : يعني أعطاك سيدنا كرت بدل الكرت الضايع ؟
فقلت : نعم شكرا لك وله .
وأنهيت معاملتي وخرجت من المعبر بعد مروري على ما يسمى بالجمارك وكنت احمل شنطة صغيرة فيها بعض ملابسي ولعبة صغيرة لابن أخي الذي لم أره منذ أربع سنوات ، فقال لي موظف الجمارك : يعني فشي لعب في الأردن ؟
فقلت : لا طبعا فيه لعب بس عشان أنا ما شفت ابن اخوي من أربع سنوات جبتله هاي اللعبة .
فقال : ماش يالله روح .
فخرجت من الجسر ( المعبر ) الأردني إلى ما يسمى بموقف السيارات لأجد أخي قد مل قدومي وكان في انتظاري لمدة طويلة جدا .
* أما لماذا سميت هؤلاء الناس بلقب ( ذلك الشيء ) فذلك لأنني لم أجد ما اسميهم به ولم أجد مصطلحا يتلاءم مع معاملتهم مع الناس القادمين من فلسطين لزيارة الأردن .
* الشيء الغريب جدا في المعبر الأردني أن هناك الكثير من الشبابيك الزجاجية الفارغة من تلك الأشياء (الموظفين) ويبقى المسافر الفلسطيني في دور طويل على شباك واحد ينتظر حتى يقسم أنه لن يسافر مرة أخرى أبداً .
* حدثت معي هذه الحادثة في شهر أكتوبر من السنة الماضية .
* الكرت الأخضر يتم إعطاءه للفلسطيني الذي يسافر للمرة الأولى للأردن ويجب أن يحتفظ به طوال حياته والا سيصيبه ما أصابني وربما أكثر ، ولذلك فإنني أحتفظ به في الفرشة التي أنام عليها حتى يبقى في دلال دائم .
* مكثت في عمان أربعة أيام وبعدها أصابني شرش الهبل وفكرت بزيارة ما يسمى الشام ( سوريا ) وذلك لأنني كنت ولا زلت جاهلا بما يسمى بالسياسة .
منقول:عرب تايمز
الكرت الأخضر
عامر مناصرة _ فلسطين
نحن كفلسطينيين سجناء في سجن كبير تحفه المخاطر في الليل والنهار، يخرج احدنا إلى العمل وتبقى أمه تدعو له حتى يعود إلى بيته من عمله سالماً وذلك لشدة انعدام الأمن والأمان الذي يفرضه علينا الاحتلال الغاشم بنا في كل مناحي الحياة، وبعضنا يتيسر له بعض المال الذي يزيد عن حاجته فيأخذ هذا المبلغ البسيط من المال ليقوم برحلة صغيرة في إحدى الدول العربية القريبة من فلسطين مثل الأردن أو مصر أو سوريا أو بعض دول الخليج، ويكون في العادة له بعض الأقارب في هذه الدول وذلك بسبب تشتت هذا الشعب في الدول كافة.
وحدث أن حصل لي هذا الشيء بحيث زادة عن حاجتي مبلغ بسيط لا يزيد عن الثلاثماية وخمسون دولار وهي توفير خمسة اشهر متتالية، وكنت قد قررت أن أسافر في رحلة قصيرة إلى إحدى الدول العربية المجاورة كسياحة للترفيه عن نفسي قليلا وذلك بعد مرور قرابة الثلاث سنوات تحت الحصار الخانق في فلسطين، واعتقد انه من حقنا كفلسطينيين أن نرفه عن أنفسنا ولو قليلا وخاصة بعد ما ذقناه ونذوقه بشكل يومي في ظل الاحتلال.
قررت أن ازور الأردن وذلك لأنها الأقرب علينا والأسهل كما يقول الذين يسافرون، مع العلم أنني لم أسافر ولم أغادر بلدي فلسطين طوال حياتي، فقررت أن أرى ما لم أره في حياتي وشجعني على ذلك وجود ثروة في جيبي وهي الثلاثماية وخمسون دولار، فحزمت أمتعتي وأبلغت ألقاصي والداني أنني مسافر لمدة أسبوع إلى الأردن الحبيب، وبدا الناس يوصونني بإحضار بعض الأشياء لهم من ذلك البلد المجهول بالنسبة لي، فواحد يوصيني على احضر له تلفون نقال من نوع كذا وواحد يوصيني أن احضر له كيلو من معسل الأرجيلة من نوع كذا وآخر يوصيني أن احضر له بعض المال من آخيه الموجود في الأردن بعد أن ضاقت الأوضاع الاقتصادية في الضفة الغربية ، وهكذا حتى أثقلوني بأحمالهم قبل أن يبدأ السفر.
يا سادة لا أريد أن أطيل عليكم فقد وصلت إلى منطقة الجسور في مدينة أريحا بعد معاناة صعبة جدا وكنت على وشك اتخاذ قرار بالعودة حتى قبل أن اصل إلى الجسور ( المعابر )، ولكن الحمد لله أخيرا وصلنا إلى الجسر ( المعبر ) الإسرائيلي وكان قلبي يدق ويخفق وأحيانا ينطق من خوفي، لماذا ؟ لا اعرف ولكن أظن انه من خوفي أن يقوم الإسرائيليين بمنعي من الخروج من فلسطين كما يفعلونه ببعض الشباب دون سبب واضح ! .
مكثنا في الجسر ( المعبر ) الإسرائيلي حوالي النصف ساعة وانهينا معاملاتنا وتوجهنا إلى الباصات التي سوف تنقلنا إلى المعبر الأردني وكنت سأطير من الفرح عندما انتهت معاملاتي في الجانب الإسرائيلي وذلك لمعرفتي الأكيدة أن اليهود هم أكثر الناس شرا في العالم وبما أنني أنهيت هذا الشر فلن أواجه أي شر بعده ، وكان محسوبكم يمشي مع الناس لأنني لا اعرف كيف أتصرف لوحدي في السفر .
ومن باص لباص حتى وصلنا إلى ما يسمى المعبر الأردني وذلك بعد مرور أكثر من ساعتين ونصف ونحن بين المعبرين والذي في العادة لا ياخد سوى ربع ساعة على أكثر تعديل كما قيل لي لاحقاً.
دخلنا إلى المعبر الأردني وأنا اشعر أنني ساجد من يستقبلني أو على الأقل ساجد من يبتسم في وجهي وخاصة أنني قادم من تحت الدبابات التي تستطيع أن تفعص أي شيء سوى الإرادة.
وقفنا في دور طويل ينتظر كل منا وصوله إلى شباك صغير يجلس خلفه شيء لن تستطيع تشخيص أي شيء منه إلا خمس أو عشرة شعرات في أعلى رأسه، أما تقدمنا في الدور الطويل فكان بطيئا جدا واخذ مني أنا حتى وصلي إلى ذلك الشيء المختبئ وراء زجاج ذلك الشباك اخذ مني حوالي الساعة ونصف الساعة ، ولكني لا اخفي عليكم أنني كنت ما زلت مبتهج بأنني أنهيت المعبر الإسرائيلي على خير .
وصلت إلى ذلك الشباك وكان عندي فضول واضح أن أرى ما وراء هذا الشباك ولا أخفي عليكم فقد كنت أتوقع أن أرى شيئاً يبتسم، وإذا بي أرى شيئاً ولكن لا يبتسم بل عابس إلى درجة أنني تخيلت نفسي للوهلة الأولى بأنني أمام رجل قد قتل ابنه للتو واني أنا من قتله والآن سيأخذ بثأره بنفسه مني.
فقلت في نفسي وأنا مالي المهم إني اخلص واطلع من المعبر وأروح عند دار اخوي في عمان .
قدمت لهذا الشيء جواز سفري الفلسطيني وما زلت احتفظ بما تبقى معي من ابتسامة،
فقال لي: لماذا تضحك ؟
فقلت له: أنا لا اضحك يا سيدي ، ولكن هذه طبيعتي .
فقال: وبتتخوث كمان ؟!؟
فقلت: لا يا سيدي عفوك.
فقال: طيب أعطيني الكرت الأخضر .
قلت: أي كرت يا سيدي ؟
قال: يا سلام، ومضيع الكرت الأخضر ؟
فانتبهت لنفسي وقلت في داخلي لا بد وانه يريد الهوية الفلسطينية فهي خضرا وأكيد أنهم لا يعرفون أن اسمها هوية
فقلت له: آه أنا آسف، وأخرجت من جيبي الهوية الخضراء وأعطيته إياها.
فانتفض الرجل من مكانه ووقف على رجليه وقرب وجهه من الفتحة الصغيرة من ذلك الشباك وقال لي: وبتتخوث علينا ولا.
فقلت: ليش ؟
قال: استنا شوي.
وإذا به يخرج من خلف الحواجز الخشبية ويأتي ناحيتي والناس تنظر إليه، وسمعت شاب من خلفي يقول بصوت خافت:( أكل خرا )، ( وكان يقصد عني )، وجاء هذا الشيء وسحبني كما يسحبون شوال التبن بعد الحصيدة ، وأدخلني إلى ما وراء الحواجز الخشبية والزجاجية ، وقرع باب إحدى الغرف وادخلي إلى شيء آخر يجلس على مكتب صغير، وكان هذا الشيء الجالس وراء ذلك المكتب يدخن وقال له : يا سيدي هذا الشخص قد أضاع كرته الأخضر ، فرد عليه الشيء الجالس وقال : ماشي.
ذهب ذلك الشيء وبقيت أنا والشيء الآخر في الغرفة لوحدنا ، فقال لي : اجلس .
فقلت له: شكرا، وجلست أمامه .
فطقطق على بعض أزرار الكمبيوتر الموجود أمامه وقال لي باستغراب: شو هاظا إلي أنا شايفه أمامي ؟
فقلت: خير شو فيه ؟
قال: ولك هاظا أنت مخرب !
قلت له وكان استغرابي اشد من استغرابه وذلك لأنه استغرابه مصطنع واستغرابي حقيقي قلت : أنا مخرب ؟؟
قال: نعم أنت مخرب ، ومبين عندي على الكمبيوتر انك خطير !
قلت : لا يا سيدي أكيد انتو غلطانين في الاسم !
قال : نعم نعم يا حبيبي أنت بدك أتعلمنا شغلنا ، وضرب يده على المكتب بعنف .
لا اخفي عليكم إنني بدأت اشعر بالخوف وبدأت اشعر بأنني لن أعود إلى بلدي وسينتهي أمري هنا .
فقلت له : يا سيدي أنا أول مرة بزرو الأردن الحبيب وأنا بشتغل مع والدي في محل الخضار المملوك أصلا لعمي وأنا لا مخرب ولا بسوي أي شيء غلط .
فقال : اسمع ولا ، بدك تخلق الكرت الأخضر من تحت الأرض .
فقلت له : والله العظيم إني مش عارف شو هو الكرت الأخضر .
فبدأ ذلك الشيء يثور ويشتم بشتائم غليظة والله العظيم لم نسمعها من الجنود الإسرائيليين على الحواجز المنتشرة في أنحاء الضفة الغربية.
وبعد أن مضى حوالي الساعة وأنا في ذلك المكتب الحقير وأنا أحاول أن اشرح لذلك الشيء أنني لا اعرف ما هو الكرت الأخضر وبعد أن شحب وجهي وشلت قدماي واختفت ابتسامتي ( حرصا من ابتسامتي على نفسي ) قال لي ذلك الشيء بعد أن شتمني في عرضي وعرض أهلي ( وقال لي بالحرف الواحد أنت متجوز ؟ قلت : لا .
قال: من حسن حظك لأنه لو انك متجوز كنت بدي أعملك في مرتك كذا وكذا.
فحبستها في نفسي و لم أرد على ذلك الشيء بمثل براعته في البذاءة وذلك لخوفي من عاقبة ردة فعلي.
وبعد مرور عشرة دقائق تقريبا شابها السكوت التام مني ومن ذلك الشيء قال : ماشي سأعطيك كرت اخضر بس والله إذا بضيع منك هذه المرة لأنيكك !
فقلت له: شكرا.
فأخذت الكرت الأخضر وخرجت مرة أخرى إلى الدور الطويل وكان المسافرون قد تغيروا طبعا ولكن ذلك الشيء الموجود وراء الزجاج ما زال كما هو ، وبعد حوالي النصف ساعة جاء دوري لأقدم لذلك الشيء جواز سفري وكرتي الأخضر الجميل الذي حصلت عليه بعد معاناة لم أعانيها طوال حياتي .
قدمت له الجواز والكرت الأخضر ولكن هذه المرة لم أكن مبتسما ولا عابسا بل كنت كالمخبوط على رأسه .
فقال : يعني أعطاك سيدنا كرت بدل الكرت الضايع ؟
فقلت : نعم شكرا لك وله .
وأنهيت معاملتي وخرجت من المعبر بعد مروري على ما يسمى بالجمارك وكنت احمل شنطة صغيرة فيها بعض ملابسي ولعبة صغيرة لابن أخي الذي لم أره منذ أربع سنوات ، فقال لي موظف الجمارك : يعني فشي لعب في الأردن ؟
فقلت : لا طبعا فيه لعب بس عشان أنا ما شفت ابن اخوي من أربع سنوات جبتله هاي اللعبة .
فقال : ماش يالله روح .
فخرجت من الجسر ( المعبر ) الأردني إلى ما يسمى بموقف السيارات لأجد أخي قد مل قدومي وكان في انتظاري لمدة طويلة جدا .
* أما لماذا سميت هؤلاء الناس بلقب ( ذلك الشيء ) فذلك لأنني لم أجد ما اسميهم به ولم أجد مصطلحا يتلاءم مع معاملتهم مع الناس القادمين من فلسطين لزيارة الأردن .
* الشيء الغريب جدا في المعبر الأردني أن هناك الكثير من الشبابيك الزجاجية الفارغة من تلك الأشياء (الموظفين) ويبقى المسافر الفلسطيني في دور طويل على شباك واحد ينتظر حتى يقسم أنه لن يسافر مرة أخرى أبداً .
* حدثت معي هذه الحادثة في شهر أكتوبر من السنة الماضية .
* الكرت الأخضر يتم إعطاءه للفلسطيني الذي يسافر للمرة الأولى للأردن ويجب أن يحتفظ به طوال حياته والا سيصيبه ما أصابني وربما أكثر ، ولذلك فإنني أحتفظ به في الفرشة التي أنام عليها حتى يبقى في دلال دائم .
* مكثت في عمان أربعة أيام وبعدها أصابني شرش الهبل وفكرت بزيارة ما يسمى الشام ( سوريا ) وذلك لأنني كنت ولا زلت جاهلا بما يسمى بالسياسة .
منقول:عرب تايمز
0 comments :
Post a Comment